





























بطاقــات الأحـــاديث
بطاقات دعوية تُبرز معانٍ عظيمة من الأحاديث النبوية الشريفة بأسلوب يسير وعرض جذاب تعين المسلم على فهم أعمق لدينه بطريقة يسيرة
الكل
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمِ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] وَ {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] وَ {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنْزَلَهَا اللهُ فِي الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ اليَهُودِ، وَكَانَتْ إِحْدَاهُمَا قَدْ قَهَرَتِ الأُخْرَى فِي الجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى ارْتَضَوْا وَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ العَزِيزَةُ مِنَ الذَّلِيلَةِ فَدِيَتُهُ خَمْسُونَ وَسْقًا، وَكُلَّ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ الذَّلِيلَةُ مِنَ العَزِيزَةِ فَدِيَتُهُ مِائَةُ وَسْقٍ، فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ، وَذَلَّتِ الطَّائِفَتَانِ كِلْتَاهُمَا لِمَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ورَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَظْهَرْ، وَلَمْ يُوطِئْهُمَا عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي الصُّلْحِ، فَقَتَلَتِ الذَّلِيلَةُ مِنَ العَزِيزَةِ قَتِيلًا، فَأَرْسَلَتِ العَزِيزَةُ إِلَى الذَّلِيلَةِ: أَنِ ابْعَثُوا إِلَيْنَا بِمِائَةِ وَسْقٍ، فَقَالَتِ الذَّلِيلَةُ: وَهَلْ كَانَ هَذَا فِي حَيَّيْنِ قَطُّ دِينُهُمَا وَاحِدٌ، وَنَسَبُهُمَا وَاحِدٌ، وَبَلَدُهُمَا وَاحِدٌ، دِيَةُ بَعْضِهِمْ نِصْفُ دِيَةِ بَعْضٍ؟ إِنَّا إِنَّمَا أَعْطَيْنَاكُمْ هَذَا ضَيْمًا مِنْكُمْ لَنَا، وَفَرَقًا مِنْكُمْ، فَأَمَّا إِذْ قَدِمَ مُحَمَّدٌ فَلَا نُعْطِيكُمْ ذَلِكَ، فَكَادَتِ الحَرْبُ تَهِيجُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ ارْتَضَوْا عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَتِ العَزِيزَةُ، فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا مُحَمَّدٌ بِمُعْطِيكُمْ مِنْهُمْ ضِعْفَ مَا يُعْطِيهِمْ مِنْكُمْ، وَلَقَدْ صَدَقُوا، مَا أَعْطَوْنَا هَذَا إِلَّا ضَيْمًا مِنَّا، وَقَهْرًا لَهُمْ، فَدُسُّوا إِلَى مُحَمَّدٍ مَنْ يَخْبُرُ لَكُمْ رَأْيَهُ: إِنْ أَعْطَاكُمْ مَا تُرِيدُونَ حَكَّمْتُمُوهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِكُمْ حَذِرْتُمْ فَلَمْ تُحَكِّمُوهُ، فَدَسُّوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاسًا مِنَ المُنَافِقِينَ لِيَخْبُرُوا لَهُمْ رَأْيَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ اللهُ رَسُولَهُ بِأَمْرِهِمْ كُلِّهِ وَمَا أَرَادُوا، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الذِينَ قَالُوا آمَنَّا} [المائدة: 41] إِلَى قَوْلِهِ: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمِ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] ثُمَّ قَالَ فِيهِمَا: وَاللهِ نَزَلَتْ، وَإِيَّاهُمَا عَنَى الله عَزَّ وَجَلَّ.
رواه أحمدكان من يهود المدينة بنو قريضة وبنو النضير، وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية وغَلَبتها، فارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة الغالبة من الذليلة المغلوبة فَدِيَتُهُ خمسون وَسَقًا فقط، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته الضعف، مائة وسق، والوسق ستون صاعًا. فكانوا على ذلك حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرًا، وخضعت الطائفتان كلتاهما لمقْدمه صلى الله عليه وسلم، وهو صلى الله عليه وسلم يومئذ لم ينتصر بعد على أعدائه، ولم يقهرهما على طاعته؛ لأن ذلك في أول الهجرة، وهو في الصلح. فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلًا، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة: أن ابعثوا إلينا بمائة وسق كما كان الاتفاق، فقالت الذليلة: وهل كان هذا في حَيَّيْنِ قط، دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض؟! إنا إنما أعطيناكم هذا ظلمًا منكم لنا، وخوفًا منكم، فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ذلك أبدًا. فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكم بينهم، ثم تأملت العزيزة، فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا، ما أعطونا هذا إلا ظلمًا منا، وقهرًا لهم، فأرسلوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم خفية من يأتي لكم برأيه، إن أعطاكم ما تريدون حكَّمتموه، وإن لم يعطكم ما تشتهون تركتموه ولم تحكِّموه بينكم. فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خفية ناسًا من المنافقين ليعلموا رأيه صلى الله عليه وسلم، فلما جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الله الوحي وأخبر رسوله بأمرهم كله وما أرادوا، فأنزل الله عز وجل في سورة المائدة من قوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الذِينَ قَالُوا آمَنَّا} [المائدة: 41]. إلى قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمِ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] ثم قال ابن عباس رضي الله عنهما: فيهما والله نزل قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمِ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] و{...فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] و{...فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47]، وإياهما عنى الله عز وجل.
عن البراء قال: مات رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تُحرَّم الخمر، فلما حرمت الخمر، قال رجال: كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر؟ فنزلت: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات}.
رواه الترمذيكان تحريم الخمر تدريجيًّا؛ لشدة تعلق العرب بها، وقد مات بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تحرم الخمر، فلما حُرمت قال بعض الصحابة: كيف بأصحابنا الذين ماتوا قبل تحريم الخمر وكانوا يشربونها، هل عليهم إثم من شربهم الخمر؟ فأنزل الله عز وجل: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات} فبيّنت الآية أنه ليس عليهم إثم وحرج فيما شربوا من الخمر قبل تحريمها، بشرط أنهم كانوا مؤمنين عاملين بالأعمال الصالحة مستمرين عليها، ويدخل في الآية الطعام المحرم كذلك، فمن تاب بعد أن أكل ما يحرم أكله، فليس عليه شيء إذا اتصف بالإيمان والعمل الصالح.
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] حتى فرغ من الآية كلها.
رواه البخاريكان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤال استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويستثنى من هذا صحابي كان يعيَّر بأنه ليس ابنًا لأبيه حقيقةً فسأل عن ذلك، فهذا لا يعتبر استهزاءً، بل المراد غيره، ويقول الرجل الذي ضاعت ناقته: أين ناقتي؟ استهزاءً أيضًا، أي ما دمتَ رسول الله فأخبرني بهذا الأمر الغيبي، فأنزل الله فيهم هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم}، فإن كان السائل من المنافقين فهذا النهي للمؤمنين أن يتشبهوا بهم، ويتأثروا بأخلاقهم، وإن كان السائل من جُهَّال المؤمنين فهذا نهي أن يعودوا لمثل ذلك، فقرأها حتى انتهى من الآية كلها، فقد نهاهم الله عن سؤال مثل هذه الأسئلة؛ لما فيها من الاستهزاء وعدم الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعن سؤال ما عفا الله عنه وسكت عنه، أما السؤال عن حكمٍ خَفِيَ عن السائل أو عن معنى آية مما يترتب عليه نفع في الدين فمأمور به.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ، {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنْزِلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}».
رواه البخاريالغيب عند الله لا يعلمه إلا هو، وأخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن مفاتح الغيب وخزائنه خمسة: الأول: لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله، إشارة إلى علوم الآخرة، فإن يوم القيامة أولها، وإذا نفى علم الأقرب انتفى علم ما بعده. الثاني: لا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، إشارة إلى أمور العالم العلوي، وخص المطر مع أن له أسبابًا قد تدل بجري العادة على وقوعه لكنه من غير تحقيق ويقين. الثالث: ما يكون في الأرحام؛ من ذكر أو أنثى، أسود أو أبيض، كامل أو ناقص، شقي أو سعيد ونحوها، وخص الرحم بالذكر لكون الأكثر يعرفونها بالعادة، ومع ذلك فنفى أن يَعرف أحدٌ حقيقتها فغيرها بطريق الأولى. الرابع: لا يعلم ما في غد إلا الله، إشارة إلى أنواع الزمان وما فيها من الحوادث، وعبر بلفظ "غد" لتكون حقيقته أقرب الأزمنة، وإذا كان مع قربه لا يعلم حقيقة ما يقع فيه، مع إمكان الأمارة والعلامة فما بعد عنه أولى. الخامس: لا تدري نفس بأي أرض تموت، إشارة إلى أمور العالم السفلي، مع أن عادة أكثر الناس أن يموت ببلده ولكن ليس ذلك حقيقة، بل لو مات في بلده لا يعلم في أي بقعة يدفن منها، ولو كان هناك مقبرة لأسلافه، {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} محيط بالظواهر والبواطن، والخفايا والخبايا، والسرائر، فجمعت الآية أنواع الغيوب، وأزالت جميع الدعاوي الفاسدة.
عن جابر رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} [الأنعام: 65] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بوجهك»، قال: {أو من تحت أرجلكم} [الأنعام: 65]، قال: «أعوذ بوجهك» {أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} [الأنعام: 65] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا أهون أو هذا أيسر».
رواه البخاريلما نزلت هذه الآية: {قل هو القادر} أي الكامل القدرة ({على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} كالحجارة التي أمطر بها قوم لوط، قال صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك، {أو من تحت أرجلكم} كالرجفة والخسفة التي أصابت قوم صالح وقارون، قال صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك أي من عذابك، {أو يلبسكم شيعا} أي يخلطكم فرقًا مختلفين على أهواء شتى، {ويذيق بعضكم بأس بعض} بالقتال بينهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أهون أو هذا أيسر، أي مما قبله؛ لأن الفتن بين المخلوقين وعذابهم أهون وأيسر من عذاب الله تعالى.
عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تِطْوافًا؟ تجعله على فرجها، وتقول: اليومَ يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أُحِلُّه فنزلت هذه الآية {خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: 31].
رواه مسلمقال ابن عباس رضي الله عنهما: كانت المرأة قبل الإسلام تطوف بالبيت الحرام وهي عريانة ليس عليها رداء، فتقول: من يعيرني ثوبًا لتطوف به، تجعل الثوب على فرجها لتتستر به، وتقول: اليومَ يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أُحِلُّه وقريش كانت ابتدعت في الحج أمورًا، منها منع الطواف بالبيت إلا عريانًا إلا أن يكون أحمسيا، وهم ولد كنانة، أو من أعاره أحمسيٌّ لباسًا يطوف فيه، فإن طاف من لم يكن كذلك في ثيابه ألقاها، فلا ينتفع بها هو ولا غيره، وكان هذا الحكم منهم عاما في الرجال والنساء، ولذلك طافت هذه المرأة عريانة، وأنشدت الشعر المذكور، فلما جاء الإسلام ستر الله تعالى هذه العورات ورفع هذه الآثام، فأنزل الله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} وأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يطوف بالبيت عريان، وفُهِم من هذا الأمر وجوب ستر العورة للصلاة.
عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: "من فعل كذا وكذا فله من النفل كذا وكذا" قال: فتقدم الفتيان ولزم المشيخة الرايات فلم يبرحوها، فلما فتح الله عليهم، قال المَشْيَخة: كنا رِدْءًا لكم، لو انهزمتم لَفِئْتُم إلينا، فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى، فأبى الفتيان وقالوا: جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا، فأنزل الله عز وجل: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} [الأنفال: 1] إلى قوله: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون} [الأنفال: 5] يقول: فكان ذلك خيرًا لهم، فكذلك أيضًا، فأطيعوني، فإني أعلم بعاقبة هذا منكم.
رواه أبو داودقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: من فعل كذا وكذا فله من النفل كذا وكذا، وهو ما يعطاه المجاهد زيادةً على نصيبه من المغنم، من أجل أنه قام بجهد خاص، فتقدم الفتيان للجهاد، وجلس الكبار مع الرايات لم يتجاوزوها، فلما فتح الله عليهم بالنصر، قال الكبار للفتيان: كنا وقايةً ومرجعًا لكم لو انهزمتم لصرتم ورجعتم إلينا، فلا تذهبوا أنتم بالغنيمة، ونبقى بدون نصيب، فلم يوافق الفتيان على ما طلبه منهم الكبار، وقالوا: إن الفيء جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا، فأنزل الله عز وجل: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} أي: يضعها حيث يشاء، والمغنم استقر حكمه بعد ذلك، أنه يشترك فيه الجميع، ولكن النفل هو الذي يختص به من يكون له جهد خاص، وفُسِّرت الأنفال في الآية بالمغانم، إلى قوله: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون} ثم كان ذلك الذي كرهوه خيرًا لهم، ونصرًا وغنيمةً، فكذلك فأطيعوني في هذا الذي أمركم به، وفي كل الأوامر تحمدون العاقبة، وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} أي هذا الذي حصل بينكم من الخلاف لابد أن تعملوا على إصلاحه وعلى إزالته، فإني أعلم بعاقبة هذا منكم، أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم العاقبة والنتيجة لهذا الأمر، وأن ذلك خير لهم إذا أطاعوه واستجابوا لما يأمرهم به، ولو كان في ذلك شيء من التفاوت بأن يعطى أحد من أجل قيامه بجهد خاص شيئًا زائدًا، وأما الغنيمة فيشترك فيها الجميع.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} شق ذلك على المسلمين، حين فُرِض عليهم ألا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف، فقال: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين) قال: فلما خفف الله عنهم من العِدَّةِ نقص من الصبر بقدر ما خَفَّفَ عنهم.
رواه البخاريأخبر ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما نزل قوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} عَظُم على المسلمين؛ لما تضمنته من وجوب الثبات أمام هذا العدد، وألا يفرَّ واحدٌ من عشرة، فجاء التخفيف بالآية الأخرى، فقال: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين)، فصار الحكم وجوب الثبات أمام الاثنين من العدو لكلِّ واحد من المسلمين، قال ابن عباس: فلما خفف الله عنهم من العِدَّةِ نقص من صبرهم بقدر ما خَفَّفَ عنهم، فصبر العشرين مقابل المائتين أكبر من صبر المائة مقابل المائتين، ولو كان الفرض هو الحكم الأول لأقدرهم ومكَّنهم الله تعالى من القيام به.
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضيَ اللهُ عنهُما قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أُبَالِي أَلَّا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ أُسْقِيَ الحَاجَّ، وَقَالَ آخَرُ: مَا أُبَالِي أَلَّا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ أَعْمُرَ المَسْجِدَ الحَرَامَ، وَقَالَ آخَرُ: الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ، وَقَالَ: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ فَاسْتَفْتَيْتُهُ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 19] الآيَةَ إِلَى آخِرِهَا.
رواه مسلمذكر النعمان بن بشير رضي الله عنهما أنه كان جالسًا عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع رجلًا يقول: ما أبالي ألَّا أعمل عملًا بعد أن أسلمت إلا أن أَسقِي الحاج. وقال آخر: ما أبالي ألا أعمل عملًا بعد أن أسلمت إلا أن أَعْمُرَ المسجد الحرام، وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتما. فزجرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رفع الصوت عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم وكان صبيحة يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيت النبي صلى الله عليه وسلم فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله عز وجل: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة: 19].