





























بطاقــات الأحـــاديث
بطاقات دعوية تُبرز معانٍ عظيمة من الأحاديث النبوية الشريفة بأسلوب يسير وعرض جذاب تعين المسلم على فهم أعمق لدينه بطريقة يسيرة
الكل
عن البراء رضي الله عنه قال: تَعُدُّون أنتم الفتحَ فتحَ مكة، وقد كان فتحُ مكة فتحًا، ونحن نَعُدُّ الفتحَ بيعةَ الرضوان يوم الحديبية، كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة، والحديبيةُ بئرٌ، فنَزَحْنَاها فلم نترك فيها قَطرةً، فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأتاها، فجلس على شفيرها ثم دعا بإناءٍ من ماءٍ فتوضأ، ثم مضمض ودعا، ثم صَبَّه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا.
رواه البخاريقال البراء رضي الله عنه: أنتم ترون أن الفتح في قوله تعالى: {إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا} هو فتح مكة، والخطاب للتابعين، وأقرّ بأن فتح مكة كان فتحًا، ولكنهم معشر الصحابة يرون أن الفتح المقصود في الآية هو بيعة الرضوان في يوم الحديبية، وعدُّوها هي الفتح العظيم؛ لأنها كانت مقدَّمةً لفتح مكة، بل كانت سببًا لانتشار الإسلام، ودخول القبائل فيه، وكانت مبدأ الفتح المبين على المسلمين لما ترتب على الصلح من الأمن ورفع الحرب، وتمكن مَن يخشى الدخول في الإسلام والوصول إلى المدينة من ذلك، ثم تبعت الأسباب بعضها بعضًا إلى أن كمل الفتح، كما كانت البيعة سببًا لرضوان الله عز وجل. والصحابة رضي الله عنهم شهدوا التنزيل فهم أعلم بالمراد والتفسير وأسباب النزول ممن جاء بعدهم. وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم مائة وأربع عشر من الصحابة، والحديبية هي اسم بئر ثم عرف المكان كله بذلك، فأخذوا من مائها شيئًا فشيئًا حتى لم يتركوا فيها قطرة ماء، فعلِم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فجاء وجلس على طرف البئر، ثم أمر بإناء ماء فتوضأ، ثم مضمض ودعا الله عز وجل ثم صب الماء في البئر، فتركها الصحابة مدة ثم أخرجت لهم البئر ماءً كثيرًا، فشربوا منها وشرب إبلهم التي يسيرون عليها.
عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، فسِرْنا ليلًا، فقال رجل من القوم لعامر: يا عامر ألا تسمعنا من هُنَيْهَاتك؟ وكان عامر رجلًا شاعرًا، فنزل يحدو بالقوم يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فاغفر فداء لك ما أبقينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا وألقين سكينة علينا ... إنا إذا صيح بنا أبينا وبالصياح عوَّلوا علينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من هذا السائق؟»، قالوا: عامر بن الأكوع، قال: «يرحمه الله» قال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لولا أمتعتنا به؟ فأتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة، ثم إن الله تعالى فتحها عليهم، فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم، أوقدوا نيرانًا كثيرةً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما هذه النيران على أي شيء توقدون؟» قالوا: على لحم، قال: «على أي لحم؟» قالوا: لحم حمر الإنسية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أهريقوها واكسروها»، فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها ونغسلها؟ قال: «أو ذاك». فلما تصاف القوم كان سيف عامر قصيرًا، فتناول به ساق يهودي ليضربه، ويرجع ذباب سيفه، فأصاب عين ركبة عامر فمات منه، قال: فلما قفلوا قال سلمة: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيدي، قال: «ما لك» قلت له: فداك أبي وأمي، زعموا أن عامرا حبط عمله؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كذب من قاله، إن له لأجرين -وجمع بين إصبعيه- إنه لجاهد مجاهد، قَلَّ عربيٌّ مشى بها مثله».
متفق عليهقال سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي رض الله عنه: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، فانطلقنا في الليل، فقال رجل منا لعامر بن الأكوع، وهو عم سلمة: هلَّا أسمعتنا من أراجيزك وكلماتك الموزونة؟ لأنه كان شاعرًا، فنزل يسوق الإبل وينشد لها ويقول: اللهم لولا هدايتك لنا ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا ثم خاطب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: فسامحنا على تقصيرنا في حقك ونصرك، واعف عما خلفنا وراءنا مما اكتسبناه من الآثام، أو يكون المعنى اغفر لنا يا الله ذنوبنا، فإنا نفدي دينك ونبيك بدمائنا، وثبت أقدامنا إذا لاقينا العدو، وأنزل سكينة علينا، إنا إذا دُعِينا إلى غير الحق امتنعنا، وبالصوت العالي أخذ عدونا يستغيث علينا. فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم: من هذا الذي يسوق الإبل؟ قالوا: عامر بن الأكوع، فقال: يرحمه الله، فقال رجل منهم: وجبت له الشهادة بدعائك له، هلا أبقيته لنا لنتمتع به، فتمنوا عدم دعائه له بذلك حتى يعيش معهم، ويقاتل الأعداء في المعارك القادمة، فوصلوا إلى خيبر وحاصروا أهلها حتى أصابتهم مجاعة شديدة، ثم فتحها الله لهم حصنًا حصنًا، فلما جاء المساء، أشعلوا الكثير من النيران، فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن النيران: ماذا توقدون عليها؟ قالوا: لحم، قال: أي نوع من اللحوم؟ قالوا: لحم الحمر الإنسية، فأمرهم عليه الصلاة والسلام أن يفرغوها ولا يأكلوها وأن يكسروا القدور التي طبخوا فيها، فقال رجل: يا رسول الله أو نفرغها ونغسل القدور؟ قال: أو اغسلوها. فلما تلاقى القوم مع أهل خيبر، كان سيف عامر قصيرًا، فأخذه ليضرب به ساق يهودي فأرجع طرفه الذي يضرب به، فأصاب طرف ركبته الأعلى خطًأ فمات بسبب هذه الإصابة، فلما رجعوا من خيبر رأى النبي صلى الله عليه وسلم سلمة بن الأكوع، فسأله: ما بك؟ قال سلمة: فداك أبي وأمي، قالوا إن عامرًا حبط عمله لأنه قتل نفسه، قال عليه الصلاة والسلام: اخطأ من قال ذلك، إن له أجرين وجمع بين إصبعيه، وهما أجر الجهد في الطاعة وأجر الجهاد في سبيل الله، إنه لجاهد مجاهد، ندر وجود عربي مشى بالأرض أو المدينة أو الحرب مثل عامر.
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: لما فُتِحت خيبر أُهْدِيتْ للنبي صلى الله عليه وسلم شاةٌ فيها سمٌّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجمعوا إليَّ مَن كان ههنا من يهود» فجُمِعُوا له، فقال: «إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقيَّ عنه؟»، فقالوا: نعم، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «من أبوكم؟»، قالوا: فلان، فقال: «كذبتم، بل أبوكم فلان»، قالوا: صدقت، قال: «فهل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألت عنه؟»، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم: «من أهل النار؟»، قالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم تخلفونا فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اخسؤوا فيها، والله لا نَخْلُفُكم فيها أبدًا»، ثم قال: «هل أنتم صادقيَّ عن شيءٍ إن سألتكم عنه؟»، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: «هل جعلتم في هذه الشاة سمًّا؟»، قالوا: نعم، قال: «ما حملكم على ذلك؟»، قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح، وإن كنت نبيًّا لم يضرَّك.
رواه البخاريلما فُتحت خيبر أهدت امرأة من اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، وهي زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم، وأكثرت السم في الكتف والذراع لما بلغها أن ذلك أحب أعضاء الشاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك باتفاق وتواطؤ من قومها، فتناول عليه الصلاة والسلام الكتف فأكل منها لقمة وتوقف، فقال: إن الشاة تخبرني أنها مسمومة، فأمر بجمع كل من كان هناك من اليهود، فلما اجتمعوا قال لهم: إني سأسلكم عن شيء، فهل ستجيبوني بصدق عما أسألكم عنه؟ قالوا: نعم، فسألهم: من أبوهم؟ قالو: فلان، قال: كذبتم، بل أبوكم فلان، فصدقوه، ثم سألهم هل ستصدقون في إجابتكم إن سألتكم عن شيء؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإذا كذبنا ستعلم كذبنا كما علمت في كذبنا على أبينا، فسألهم: من أهل النار؟ فقالوا: ندخل في النار زمنًا يسيرًا ثم تدخلونها أنتم بعدنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اسكنوا فيها سكون ذلة وهوان، والله لا تخرجون منها، ولا نقيم بعدكم فيها أبدًا، لأن من دخلها من عصاة المسلمين يخرج منها، وحينئذ فلا خلافة أصلًا، ثم سألهم مرة أخرى: هل ستصْدقون في إجابتكم إن سألتكم عن شيء؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، فسألهم عن وضعهم سمًا في الشاة، فاعترفوا بفعلهم، فقال: ما السبب الذي جعلكم تفعلون ذلك؟ قالوا: أردنا أن نقتلك ونستريح منك إن كنت كاذبًا، وأما إن كنت صادقًا، وكنت نبيًا فلن يضرك السم.
عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، حين اعتمر فطاف فطُفْنا معه، وصلَّى وصَلَّينا معه، وسعى بين الصفا والمروة، فكنا نستره من أهل مكة، لا يُصِيبُه أحدٌ بشيء.
رواه البخاريروى عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم حين اعتمر عمرة القضاء، في السنة السابعة من الهجرة، فطاف عليه الصلاة والسلام طواف العمرة، وطاف أصحابه معه، وصلى ركعتي الطواف وصلى أصحابه معه، ثم سعى بين الصفا والمروة وسعوا معه، وكانوا يلتفون حوله ويحيطون به؛ لئلا يؤذيه أحد من أهل مكة.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثُمائة نُصُبٍ، فجعل يَطعُنُها بِعُودٍ في يده، ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد».
متفق عليهفي غزوة الفتح، والتي كانت في رمضان سنة ثمان، دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، وكان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، وقيل: إنها كانت بهذا العدد؛ لأن المشركين في الجاهلية كانوا يعظِّمون في كل يومٍ صنمًا، ويخصون بعضها بيومين، وهي أحجار كانوا ينصبونها في الجاهلية ويعبدونها ويذبحون عليها فتحمر بالدم، فجعل عليه الصلاة والسلام يطعن الأصنام بِعُودٍ في يده، وهذا فيه إذلال للأصنام وعابديها وإظهار أنها لا تضر ولا تنفع ولا تدفع عن أنفسها، وكان قوله عليه الصلاة والسلام وهو يطعنها أتى الحق، وهو الإسلام، وهلك وزال الباطل، وجاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد. وفي بعض الروايات أن الأصنام كان تسقط بإشارة النبي صلى اللهعليه وسلم إليها، معجزةً له عليه الصلاة والسلام.
عن حذيفة قال: جاء العاقب والسَّيِّد، صاحبا نجران، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيًّا فلاعَنَّا لا نفلح نحن، ولا عَقِبُنا مِن بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا. فقال «لأبعثنَّ معكم رجلًا أمينًا حقَّ أمينٍ»، فاستشرف له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجراح» فلما قام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا أمين هذه الأُمَّة».
متفق عليهجاء العاقب واسمه عبد المسيح، والسيد واسمه الأيهم أو شرحبيل، ولقبهما العاقب والسيد، وهما من أكابر نصارى نجران وحكَّامهم، وكان السيد رئيسهم والعاقب صاحب مشورتهم، فقدموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يباهلاه، والمباهلة أن يجتمع شخصان أو طائفتان مختلفتان، فيقول كل واحد لصاحبه: لعنة الله على الظالم منا، أو الكاذب، ونحو ذلك، فقال العاقب للسيد أو السيد للعاقب: لا تباهله، فوالله لئن كان نبيًّا فباهَلَنَا لا نفلح نحن، ولا ذرياتنا من بعدنا؛ لحلول لعنة الله علينا، وبعد أن انصرفا ولم يسلما ورجعا، قالا: إنا لا نباهلك فاحكم علينا بما أحببت ونصالحك، فصالحهم على ألف حلة في رجب وألف حلة في صفر ومع كل حلة أوقية، فقالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وأرسل معنا رجلًا أمينًا، ولا ترسل معنا إلا أمينًا، ليقبض المطلوب منا ويوصله لكم، وهذه مهمة تستدعي الأمانة، فقال عليه الصلاة والسلام: سأرسل معكم رجلًا أمينًا بحق، فتطلّع الصحابة، رجاء الحصول على هذا الشرف والشهادة النبوية، فنادى النبي صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا أمين هذه الأمة».
عن جابر أن أم مالك كانت تُهدِي للنبي صلى الله عليه وسلم في عُكَّةٍ لها سمنًا، فيأتيها بنوها فيسألون الأُدْمَ، وليس عندهم شيء، فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي صلى الله عليه وسلم، فتجد فيه سمنًا، فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرته، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «عَصَرْتِيْها؟» قالت: نعم، قال «لو تركتيها ما زال قائمًا».
رواه مسلمكانت أم مالك بنت أُبيِّ الخزرجية رضي الله عنها تبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم سمنًا في وعاءٍ من جلدٍ يُحفظ فيه السمن، وأنها كان يجيئها أبناؤها ويسألونها الطعام والإدام، وليس عندهم طعام، فتقصد إلى الوعاء الذي كانت ترسله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتجد فيه سمنًا، رزقًا من الله عز وجل، فما زال ذلك الوعاء يكفيها طعام بيتها، لا يحتاجون إلى أدم غيره، حتى عصرته واستخرجت ما فيه من السمن، فجاءت أم مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر، فسألها: هل عصرتيها؟ فأجابت أن نعم، فقال عليه الصلاة والسلام: لو تركتي الوعاء ولم تعصريها لكانت تكفيكم طعامكم ولا تحتاجون إلى غيرها. وذلك ببركة النبي صلى الله عليه وسلم فيما لمسه، وسبب رفع النماء من ذلك عند العصر، والله أعلم، الحرص رغم كفاية نعم الله، وحصول كراماته، وكثرة بركاته، والغفلة عن الشكر عليها، وهذا نحو مما جرى لبني إسرائيل في التيه، لما أنزل عليهم المن والسلوى، وقيل لهم: {كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله} [البقرة: 172].
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن مَثَلي ومَثَل الأنبياء من قبلي كمثل رجلٍ بنى بيتًا، فأحسنه وأجمله، إلا موضع لَبِنَةٍ من زاويةٍ، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين".
متفق عليهضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثله ومثل الأنبياء من قبله كمثل رجل بنى بيتًا، فجمّله وحسّنه، إلا موضع طوبة في زاوية لم يضعها، وأصبح الناس يدورون بالبيت ليَرَوا محاسنه، فأُعجبوا به وقالوا: هلا وضعت هذه اللبنة؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام مثله كمثل هذه اللبنة فهو آخر النبيين ومُكمِّل الشرائع والملل. ومقصود هذا المثل أن يبين به صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ختم به النبيين والمرسلين، فمن ادعى النبوة بعده فهو كاذب.
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء، قال: فجلسنا، فخرج علينا، فقال: «ما زلتم ههنا؟» قلنا: يا رسول الله صلينا معك المغرب، ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال «أحسنتم أو أصبتم» قال فرفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرًا مما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: «النجومُ أَمَنَةٌ للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون».
رواه مسلمروى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن الصحابة رضوان الله عليهم صَلَّوا صلاةَ المغرب مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قالوا فيما بينهم: لنجلس حتى نصلي العشاء معه، فجلسوا، فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وسألهم عن جلوسهم وعدم ذهابهم، فأخبروه بما قالوا وعن رغبتهم في صلاة العشاء معه، فأثنى عليهم وأخبرهم أنهم أصابوا في انتظارهم هذا؛ لأن المنتظر للصلاة لا يزال في الصلاة ما انتظرها، فرفع رأسه إلى السماء، وكان يرفع رأسه للسماء كثيرًا، فقال: النجوم أمان للسماء ما دامت باقية فيها، فإذا ذهبت النجوم جاء السماء ما توعد من الانفطار والانشقاق والطي، وأنا أمان لأصحابي فإذا مُت جاء أصحابي ما يوعدون، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءت الفتن وارتد من ارتد مَن العرب، ثم خروج الخوارج على عثمان وقتله رضي الله عنه، ثم خروجهم على علي رضي الله عنه، وأصحابي أمان لأمتي، فلما كانوا موجودين كان الدين قائمًا، والحق ظاهرًا، والنصر على الأعداء حاصلًا، فلما ذهب أغلبهم ضعف الالتزام بالدين وتسلط الأعداء وظهرت البدع، ثم بعد ذلك ظهور الروم على المسلمين، وانتهاك المدينة ومكة في عهد يزيد بن معاوية، وهذه كلها من معجزاته صلى الله عليه وسلم.