





























الاقسام
اكتشف مجموعتنا المتنوعة من التصنيفات التي تغطي مواضيع متعددة لتلبية اهتماماتك المختلفةبطاقات دعوية تُبرز معانٍ عظيمة لآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة بأسلوب يسير وعرض جذاب تعين المسلم على فهم أعمق لدينه بطريقة يسيرة
﴿ وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا ﴾
سورة النساءوأرسلنا رسلًا قد قصصنا عليك أخبارهم في القرآن قبل نزول هذه الآية، ورسلًا لم نقصص عليك أخبارهم في القرآن، وتركنا ذكرهم لحكمة أردناها، وكلم الله موسى عليه السلام بالنبوة دون وساطة تكليمًا حقيقيًا يليق بذاته سبحانه، تشريفًا وتكريمًا لموسى عليه السلام.
﴿ وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتۡ ﴾
سورة التكويروإذا صحف أعمال العباد فتحت؛ ليقرأ كل إنسان كتاب أعماله، سواء أكانت تلك الأعمال خيرًا أم شرًا، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره.
﴿ فَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ ﴾
سورة الذارياتفلما رآهم لا يأكلون أحسَّ في نفسه خوفًا منهم ففطنوا له، فقالوا له مُطَمْئنِين إياه: لا تَخَفْ إنَّا رسل من عند الله، وبشروه بأن زوجته سَارَة سَتلد له غلامًا يكون إذا كبر وبلغ سن الرشد ذا علم بدينه، وهو إسحاق عليه السلام.
﴿ هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ ﴾
سورة الرحمنهل جزاء مَن أحسن عبادة ربه وأطاعه إلا أن يُحسن الله إليه جزاءه في الآخرة بالثواب الجزيل، والنعيم المقيم، الذي يشرح صدره، وتقر به عينه؟
﴿ وَلِسَانٗا وَشَفَتَيۡنِ ﴾
سورة البلدولسانًا وشفتين يتكلم بها؟
﴿ وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنٗاۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَآۚ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ﴾
سورة العنكبوتووصينا الإنسان بوالديه أن يبرهما ويحسن إليهما بالقول والعمل، ولا يعقهما ويسيء إليهما في قوله وعمله، وإن جاهدك والداك -أيها الإنسان- على أن تشرك معي في عبادتي ما ليس لك به علم، فلا تمتثل أمرهما، فلا طاعة لمخلوق في معصية الله، فبروا والديكم وقدموا طاعتهما، إلا على طاعة اللّه ورسوله، فإنها مقدمة على كل شيء، إليَّ وحدي مصيركم يوم القيامة، فأخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من خير أو شر، وسأجازي كلًا بما يستحقه.
﴿ أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۚ بَلۡ هُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ﴾
سورة السجدةبل أيقول هؤلاء المشركون: إن محمدًا ﷺ اختلق القرآن من عند نفسه؟ كذَبوا، ليس الأمر كما قالوا، بل هذا القرآن هو الحق الثابت المنزل عليك من ربك -أيها الرسول- لتنذر به قومًا لم يأتهم نذير من قبلك من هدايات وإرشادات وآداب، يخوفهم من عذاب الله؛ لعلهم يهتدون من ضلالهم إلى الحق، فيعرفوه ويؤمنوا به، ويعملوا بما فيه.
﴿ ۞ أَفَمَن يَعۡلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ كَمَنۡ هُوَ أَعۡمَىٰٓۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ﴾
سورة الرعدلا يستوي المؤمن الذي يعلم أن ما جاءك -أيها الرسول- من عند الله هو الحق الذي لا مرية فيه، ففهم ذلك وعمل به؛ والكافر الذي عمي عما جئت به من الحق، فهو لا يعلم الحق ولا يعمل به، فبينهما من الفرق كما بين السماء والأرض، إنما يتعظ ويعتبر بذلك أصحاب العقول السوية.
﴿ لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡيَا بِٱلۡحَقِّۖ لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمۡ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَۖ فَعَلِمَ مَا لَمۡ تَعۡلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتۡحٗا قَرِيبًا ﴾
سورة الفتحلقد صدق الله رسوله محمدًا ﷺ رؤياه الصادقة التي لا تتخلف، التي أراها إياه بالحق لا يحوم حولها شك، وحققنا له ما اشتملت عليه هذه الرؤيا من بشارات سارة، وعطايا كريمة، حين أريناه في منامه أنه يدخل هو وأصحابه رضي الله عنهم بيت الله الحرام آمنين من عدوهم، لا يخافون أهلَ الشرك، منهم المُحلقون رؤوسهم ومنهم المقصِّرون، إيذانًا بنهاية النسك، فعلم الله من الخير والمصلحة في صرفكم عن مكة عامَكم هذا، ودخولكم إليها فيما بعد في عامكم المقبل، فعلم الله هذا الخير ولم تعلموه أنتم، فجعل مِن دون تحقيق الرؤيا بدخولكم مكة تلك السنة فتحًا قريبًا، وهو ما أجراه الله من هدنة صلح الحديبية، وما تبعه من فتح خيبر على أيدي أهل الإيمان الذين حضروا الحديبية، وتحققت الرؤيا التي وعدتم بها.
عن أبي أمامة صُدَيّ بن عجلان الباهلي رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع، فقال: « اتقوا الله وصلَّوا خَمْسَكُمْ، وصوموا شهركم، وأَدُّوا زكاة أموالِكم، وأطيعوا أُمَرَاءَكُمْ تدخلوا جنة ربكم ».
رواه الترمذي وأحمدهذا الحديث من جملة الأحاديث التي فيها الحث على تقوى الله تعالى ، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وكان هذا الحديث في آخر أيامه -عليه الصلاة والسلام- عندما خطب الناس في حجة الوداع خطبة بليغة وأوصاهم بوصايا كثيرة وذكرهم بما لهم وعليهم ومن جملة ما جاء فيها تقوى الله تعالى ، حيث قال: (يا أيها الناس اتقوا ربكم) وهذه كقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ)، (النساء: من الآية1)، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم الناس جميعا أن يتقوا ربهم الذي خلقهم، وأمدهم بنعم لا تُعدُّ ولا تحصى. وفي الحديث الآخر، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله أوصني: قال (عليك بتقوى الله، فإنها جماع كل خير..). وقال صلى الله عليه وسلم : (أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق). وقوله: (وصلوا خمسكم) أي: صلوا الصلوات الخمس التي فرضها الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة صلاته. وقوله: (وصوموا شهركم) أي: شهر رمضان، وأضيف للأمة لما يسبغ عليهم فيه من النعم والرحمة والكرم من عتق الرقاب وجزيل الثواب. وقوله: (وأدوا زكاة أموالكم) أي: أعطوها مستحقيها ولا تبخلوا بها. فاشتمل الحديث على الثلاثة من أركان الإِسلام، ولم يذكر الحج؛ لأن هذه الأمور تتكرر كل يوم، وكل عام ويثقل أداؤها، فخصّها بالأمر والتوصية. وقوله: (أطيعوا أمراءكم) أي: الخليفة والسلطان وغيرهما من الأمراء، والعلماء، إلا أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وفي الحديث الآخر: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة..) رواه أبو داود والترمذي، وصححه الشيخ الألباني في مشكاة المصابيح (1/185).
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان داود -عليه السلام- لا يأكلُ إلا من عمل يده». وعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود صلى الله عليه وسلم كان يأكل من عمل يده».
حديث أبي هريرة رضي الله عنه: رواه البخاري. حديث المقداد رضي الله عنه: رواه البخارييخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن داود عليه السلام كان لا يأكل إلا من عمل يده وكان عليه السلام حِرَفِيًّا يُجيد صناعة الدُّرُوعِ وغيرها من ألآت الجهاد؛ فإذا كان أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم: يأكلون من عمل أيديهم، من صناعة أو زراعة أو رعي للأغنام أو غير ذلك من الأعمال، فمن دونهم من باب أولى أن يعملوا في تلك الأعمال؛ ليَكُفُّوا بها وجوههم عن سؤال الناس.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبيائهم مساجد». قالت: ولولا ذلك لأُبْرِزَ قبره؛ غير أنه خُشِيَ أن يتخذ مسجدًا.
متفق عليهبعث الله الرسل لتحقيق التوحيد، وكان أفضلهم وهو النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على ذلك، وعلى سد كل وسائل الشرك، وكانت عائشة رضي الله عنها هي التي اعتنت بالنبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه، وهى الحاضرة وقت قبض روحه الكريم. فذكرت أنه في هذا المرض الذي لم يقم منه، خشي أن يتخذ قبره مسجداً، يصلى عنده، فتجر الحال إلى عبادته من دون الله تعالى ، فقال: "لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، يدعو عليهم، أو يخبر أن الله لعنهم، وهذا يبين أن هذا في آخر حياته، وأنه لم ينسخ، يحذر من عملهم، ولذا علم الصحابة رضي الله عنهم مراده؛ فجعلوه في داخل حجرة عائشة، ولم ينقل عنهم، ولا عن من بعدهم من السلف، أنهم قصدوا قبره الشريف ليدخلوا إليه؛ فيصلوا ويدعوا عنده. حتى إذا تبدلت السنة بالبدعة، وصارت الرحلة إلى القبور، حفظ الله نبيه مما يكره أن يفعل عند قبره؛ فصانه بثلاثة حجب متينة، لا يتسنى لأي مبتدع أن ينفذ خلالها.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قُبَّةٍ نحوا من أربعين، فقال: «أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟» قلنا: نعم، قال: «أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟» قلنا: نعم، قال: «والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر».
متفق عليهجلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في خيمة صغيرة، وكانوا قرابة أربعين رجلا، فسألهم صلى الله عليه وسلم : هل ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: نعم، فقال: هل ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قالوا: نعم، فأقسم النبي صلى الله عليه وسلم بربه ثم قال: إن لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، والنصف الآخر من سائر الأمم، فإن الجنة لا يدخلها إلا مسلم فلا يدخلها كافر، وما أنتم في أهل الشرك من سائر الأمم إلا شيء يسير جدا، مثل به بالشعرة الواحدة المتميزة لونا في جلد الثور المليء بالشعر".
عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «إذا أَحَبَّ اللهُ تعالى العَبْدَ، نَادَى جِبْرِيلَ: إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ فلاناً، فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي في أَهْلِ السَّمَاءِ: إنَّ اللهَ يحِبُّ فلاناً، فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ في الأرضِ». وفي رواية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّ اللهَ تعالى إذا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ، فقال: إني أُحِبُّ فلاناً فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثم ينادي في السَّمَاءِ، فيقول: إنَّ اللهَ يُحِبُّ فلاناً فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ له القَبُولُ في الأرضِ، وإذا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ، فيقول: إني أُبْغِضُ فلاناً فَأَبْغِضْهُ. فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ ينادي في أَهْلِ السَّمَاءِ: إنَّ اللهَ يُبْغِضُ فلاناً فَأَبْغِضُوهُ، ثُمَّ تُوضَعُ له البَغْضَاءُ في الأرضِ».
متفق عليه. الرواية الأولى لفظ البخاري، والثانية لفظ مسلمهذا الحديث في بيان محبة الله سبحانه وتعالى ، وأن الله تعالى إذا أحب شخصًا نادى جبريل، وجبريل أشرف الملائكة، كما أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أشرف البشر، فيقول تعالى : إني أحب فلانًا فأحبه. فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه. فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض فيحبه أهل الأرض، وهذا أيضاً من علامات محبة الله، أن يوضع للإنسان القبول في الأرض، بأن يكون مقبولاً لدى الناس، محبوباً إليهم، فإن هذا من علامات محبة الله تعالى للعبد. وإذا أبغض الله أحدًا نادى جبريل: إني أبغض فلانًا فأبغضه. فيبغضه جبريل، والبغض شدة الكره، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم يوضع له البغضاء في الأرض ؛ فيبغضه أهل الأرض.
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا».
متفق عليهيبين النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين إخوة، يتألم بعضهم لألم بعضهم الآخر ويفرح لفرحه، وأن كلمتهم واحدة فهم يد على من عاداهم. فيلزمهم الاجتماع والطاعة لإمامهم، وإعانته على من بغى وخرج عليه؛ لأن هذا الخارج شق عصا المسلمين، وحمل عليهم السلاح، وأخافهم فيجب قتاله، حتى يرجع ويفئ إلى أمر الله تعالى ؛ لأن الخارج عليهم والباغي عليهم، ليس في قلبه، لهم الرحمة الإنسانية، ولا المحبة الإسلامية، فهو خارج عن سبيلهم فليس منهم، فيجب قتاله وتأديبه.
عَنِ الشَّعْبِيُّ أَنَّهُ سَأَلَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، أُخْتَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ -وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ- فَقَالَ: حَدِّثِينِي حَدِيثًا سَمِعْتِيهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا تُسْنِدِيهِ إِلَى أَحَدٍ غَيْرِهِ، فَقَالَتْ: لَئِنْ شِئْتَ لَأَفْعَلَنَّ، فَقَالَ لَهَا: أَجَلْ حَدِّثِينِي فَقَالَتْ: نَكَحْتُ ابْنَ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ مِنْ خِيَارِ شَبَابِ قُرَيْشٍ يَوْمَئِذٍ، فَأُصِيبَ فِي أَوَّلِ الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا تَأَيَّمْتُ خَطَبَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخَطَبَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَوْلَاهُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَكُنْتُ قَدْ حُدِّثْتُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ أُسَامَةَ» فَلَمَّا كَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ: أَمْرِي بِيَدِكَ، فَأَنْكِحْنِي مَنْ شِئْتَ، فَقَالَ: «انْتَقِلِي إِلَى أُمِّ شَرِيكٍ» وَأُمُّ شَرِيكٍ امْرَأَةٌ غَنِيَّةٌ، مِنَ الْأَنْصَارِ، عَظِيمَةُ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، يَنْزِلُ عَلَيْهَا الضِّيفَانُ، فَقُلْتُ: سَأَفْعَلُ، فَقَالَ: «لَا تَفْعَلِي، إِنَّ أُمَّ شَرِيكٍ امْرَأَةٌ كَثِيرَةُ الضِّيفَانِ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْكِ خِمَارُكِ أَوْ يَنْكَشِفَ الثَّوْبُ عَنْ سَاقَيْكِ، فَيَرَى الْقَوْمُ مِنْكِ بَعْضَ مَا تَكْرَهِينَ، وَلَكِنِ انْتَقِلِي إِلَى ابْنِ عَمِّكِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ» -وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فِهْرٍ، فِهْرِ قُرَيْشٍ وَهُوَ مِنَ الْبَطْنِ الَّذِي هِيَ مِنْهُ- فَانْتَقَلْتُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتِي سَمِعْتُ نِدَاءَ الْمُنَادِي، مُنَادِي رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُنَادِي: الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَصَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكُنْتُ فِي صَفِّ النِّسَاءِ الَّتِي تَلِي ظُهُورَ الْقَوْمِ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: «لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّاهُ»، ثُمَّ قَالَ: «أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «إِنِّي وَاللهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ، لِأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا، فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ مَسِيحِ الدَّجَّالِ، حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامَ، فَلَعِبَ بِهِمِ الْمَوْجُ شَهْرًا فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ أَرْفَؤوا إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ حَتَّى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبِ السَّفِينَةِ فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ، لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ، مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقَالُوا: وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قَالُوا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتْ: أَيُّهَا الْقَوْمُ انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ، فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ، قَالَ: لَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلًا فَرِقْنَا مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا، حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ، فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا، وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، مَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى كَعْبَيْهِ بِالْحَدِيدِ، قُلْنَا: وَيْلَكَ مَا أَنْتَ؟ قَالَ: قَدْ قَدَرْتُمْ عَلَى خَبَرِي، فَأَخْبِرُونِي مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ رَكِبْنَا فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، فَصَادَفْنَا الْبَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْرًا، ثُمَّ أَرْفَأْنَا إِلَى جَزِيرَتِكَ هَذِهِ، فَجَلَسْنَا فِي أَقْرُبِهَا، فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ، لَا يُدْرَى مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قُلْنَا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتْ: اعْمِدُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ، فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ، فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا، وَفَزِعْنَا مِنْهَا، وَلَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، فَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ، قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: أَسْأَلُكُمْ عَنْ نَخْلِهَا، هَلْ يُثْمِرُ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ، قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِيهَا مَاءٌ؟ قَالُوا: هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، قَالَ: أَمَا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ، قَالُوا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِي الْعَيْنِ مَاءٌ؟ وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ مَائِهَا، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَبِيِّ الْأُمِّيِّينَ مَا فَعَلَ؟ قَالُوا: قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثْرِبَ، قَالَ: أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ وَأَطَاعُوهُ، قَالَ لَهُمْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَاكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي، إِنِّي أَنَا الْمَسِيحُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، فَأَخْرُجَ فَأَسِيرَ فِي الْأَرْضِ فَلَا أَدَعَ قَرْيَةً إِلَّا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ، فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً -أَوْ وَاحِدًا- مِنْهُمَا اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا، يَصُدُّنِي عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَائِكَةً يَحْرُسُونَهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ فِي الْمِنْبَرِ: «هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ» -يَعْنِي الْمَدِينَةَ- «أَلَا هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذَلِكَ؟» فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، «فَإِنَّهُ أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ، أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ، وَعَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، أَلَا إِنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّأْمِ، أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ، لَا بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، مَا هُوَ» وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ، قَالَتْ: فَحَفِظْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
رواه مسلمسأل الشَّعبيُّ فاطمةَ بنت قيس أخت الضّحّاك بن قيس - وكانت مِن النِّساء الصحابيات اللّاتي هاجرن في أوائل الهجرة إلى المدينة - قائلًا: حَدِّثيني حديثًا سمعتيه مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا واسطة، فقالت: إذا شئت سأُحَدِّثك حديثًا سمعته مِن النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة، فقال لها الشَّعبي: نعم حدثيني بهذا الوصف، فقالت: نكحتُ ابن المغيرة، وهو مِن أفضل شباب قريش يوم إذ تزوجني، ومِن فَضائله أيضًا أنّه أصيب في أول الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم طاعةً له، فلما تَطَلَّقت منه وأصبحت لا زوج لي، خطبني عبد الرحمن بن عوف، وهو مِن العشرة المبشرين بالجنة، مع جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وخطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم ليزوجني أسامة بن زيد، حِبّ رسول الله وابن حِبِّه، وكان قد أخبرني بعض الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مَن أحبَّني فليحب أسامة، تنويهًا بِشَرَفِه ورِفْعَة قدره، فلما كلَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدَيْت كراهتي له؛ لكونه مولى، ثم لّما أعاد عليها النبي صلى الله عليه وسلم مرارًا بدلالة الرواية الأخرى، قالت له صلى الله عليه وسلم: جعلتُ أمر نكاحي بيدك وتصرفك، فزَوِّجْني مَن شئت أسامة أو غيره، فقال صلى الله عليه وسلم لها: انتقلي مِن المكان الذي أنت فيه؛ لأنها شَكَتْ إليه أنها في بيتٍ خالٍ، تخشى أن يُقتَحم عليها، فأمرَها بأن تنتقل إلى بيت أم شريك، وهي امرأة غنية مِن الأنصار كثيرة النَّفقة في الخير، يأتيها الكثير مِن الضيوف، فقلت: سأفعل وسأنتقل إلى بيتها، فقال صلى الله عليه وسلم بعدما تذكَّر أنّ بيت أم شريك لا يليق بها؛ لكثرة من يزورها مِن الرجال، قال لها: لا تنتقلي إليها؛ لأن أم شريك امرأة كثيرة الضيوف، فأكره أن يَسقط منك خمارك الذي تستترين به أو ينكشف الثوب عن ساقيك، فيرى القوم منك بعض ما تكرهين أن يراه الأجانب، أي: أنّ الصحابة رضي الله عنهم كانوا يزورون أم شريك، ويُكثِرون التَّردُّد إليها لصلاحها، وإنفاقها عليهم، ولمّا رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنّ على فاطمة مِن الاعتداد عندها حرجًا، مِن حيث إنّه يلزمها التَّحَفُّظ مِن نظرهم إليها ونظرها إليهم، وانكشاف شيء منها، وفي التَّحفظ مِن هذا مع كثرة دخولهم وتردُّدِهم مشقَّةٌ ظاهرةٌ، أمرها بالاعتداد عند ابن أم مكتوم؛ لأنَّه لا يبصرها، ولا يتردَّد إلى بيته مَن يتردَّد إلى بيت أم شريك، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنتقل إلى بيت ابن عمِّها عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم، وهو رجل من بني فِهر، وفِهر قريش، وهو مِن نفس القبيلة التي هي منها، والمراد أنه ابن عمها مجازًا؛ لكونه مِن قبيلتها، فانتقلت إلى ابن أم مكتوم، فلما انتهت عدتُها وحلت للأزواج زوجها النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد، ثم ذكرت قصة المسيح الدجال، قالت: سمعتُ نداء مُنادي النبي صلى الله عليه وسلم ينادي: الصلاة جامعة، فخَرجت إلى المسجد، وصلَّيْت مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكنت في صفِّ النِّساء الذي بعد صفِّ الرِّجال، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن الصلاة جلس على المنبر، وهو يضحك، وقال: لِيَلتزم كلّ واحدٍ منكم موضع صلاته، فلا يتغيَّر ولا يتقدَّم ولا يتأخَّر، ثم قال عليه الصلاة والسلام: أتعلمون لماذا جمعتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إني والله ما جمعتكم لأمر مرغوب فيه مِن عطاءٍ كغنيمة، ولا لخوفٍ مِن عدوٍّ، ولكن جمعتكم؛ لأن تميم الدّاريَّ كان نصرانيًّا مُعتقدًا دين النَّصارى، فجاء إليَّ ودخل في الإسلام، وأخبرني بحديث مثل الذي كنت أُحدِّثكم عن شؤون المسيح الدَّجال وفتنته، وهذا مِن مناقب تميم رضي الله عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم روى عنه، فقال عليه الصلاة والسلام: حدثني تميم أنَّه ركب في سفينة بحريَّة كبيرة، مع ثلاثين رجلًا مِن لَخْم وجُذام قبيلتان معروفتان، فدار بهم الموج شهرًا، ثم قرَّبوا السفينة إلى جزيرة في البحر حتى تغرب الشمس، فتحولوا من السفينة الكبيرة، وجلسوا إلى السفينة الصغيرة التي تكون مع الكبيرة، ويتصرَّف فيها ركاب السفينة؛ لقضاء حوائجهم، فدخلوا الجزيرة فرأتهم دابة كثيرة الشعر لا يعلمون قُبلَها مِن دُبرها، أي: لا يعلمون أمامها مِن خلفها، ولا وَجْهَها مِن قَفاها، بسبب كثرة الشَّعر، فقالوا: ويلك أيّ جنس أنت مِن الحيوان؟ فقالت: أنا الجسَّاسة، وسميت بذلك؛ لتَجَسُّسِها الأخبار للدَّجال، ولهذا اشتهر هذا الحديث بحديث الجساسة، كما تُسمَّى السورة الطويلة بالكلمة التي ترد فيها، قالوا: وما هي الجسَّاسة؟ قالت: اذهبوا إلى هذا الرَّجُل في القصر، فإنّه عظيم الاشتياق إلى خبركم، قال تميم: فلما ذكرت لنا رجلًا خِفْنا مِن أن تكون تلك الدّابَّة شيطانة، فذهَبْنا مُسرِعين حتى دخلنا عليه، فلقوا فيه أكبر إنسان جثّةً، وأهيبَه هيئةً، لم يروا مثله قطّ في الخَلق، قَوِي الوثاق، أي: الرَّبط، مجموعة يداه إلى عنقه، وما بين ركبتيه إلى كعبيه مجموعٌ ومغلولٌ أيضًا بالحديد، يعني كانت يداه وساقاه مجموعة إلى عنقه بالحديد، قالوا: ويلك أيّ جنس أنت، إنسي أم جني؟ قال الرجل: قد تمكنتم من خبري، فإني لا أخفيه عنكم فأحدثكم عن حالي، فأخبروني عن حالكم، وما أسأله عنكم أولًا، فقالوا: نحن ناس مِن العرب، وقصوا عليه ما كان منهم في السفينة وملاقاتهم الجسَّاسة، فقال الرجل: أخبروني عن نخل بَيْسان، وهي قرية بالشام توصف بكثرة النَّخل، قالوا: عن أيّ شيءٍ تطلب مِن خبر بَيْسان؟ قال: أسألكم عن نخلها، هل يُثْمِر؟ قالوا: نعم يُثْمِر، قال: أما إنّه قرب ألّا يُثْمِر، قال الرَّجل: أخبروني عن بحيرة الطَّبريَّة، وهي في الأردن، قالوا: عن أيّ شيءٍ تطلب خبرَها ؟ قال: هل في البحيرة ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء، قال: أما إنّ ماءَها قَرُب مِن أن يفنى ويَنْفَد، وذلك أنّ يأجوج ومأجوج سيشربونه كلّه، كما في النّصوص الأخرى، حتى يقول آخرهم: لقد كان ههنا مرَّة ماء، قال: أخبروني عن عين زُغَر، وهي بلدة معروفة في الجانب القبليّ مِن الشام، قالوا: عن أيّ شأنها تطلب خبرها؟ قال: هل في عينها ماء؟ وهل يزرع أهل البلدة مِن ماء العين؟ قلنا له: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون مِن مائها، فقال -كما في رواية أخرى-: أما إنّه سوف يَغور ماؤُها، فلا يحتَرِث عليها أهلُها، وفي الأسئلة المذكورة، وأجوبتها المسطورة، إشارة إلى أنها علامات لخروجه، وأمارات لذهاب بركتها؛ بشؤم ظهوره ووصوله. ولما كانت هذه الأسئلة توطئة لِما بعدَها، قال الدَّجال مُعرِضًا عن الجواب الثاني، وبادر إلى السؤال المقصود، وهو ظهور محمَّد صلى الله عليه وسلم المحمود، أخبروني عن نبيِّ الأُمِّيين، أي: العرب، ما صنع بعدما بعث؟ قالوا: قد خرج مِن مكة، وهاجر إلى المدينة، قال: هل قاتَلَه العرب؟ قالوا: نعم، قاتلوه، قال: كيف صنع في مقاتلته لهم؟ فأخبروه أنه قد ظهر على مَن يليه مِن العرب، وامتثلوا ما أمرهم به، قال لهم: هل كان ذلك؟ قلنا: نعم، قال: أما إن طاعتهم له خير لهم مِن مخالفته. وإني سوف أخبركم عني، أنا المسيح الدجال، صاحب الفتنة العظمى التي تحدث آخر الزمان، وإني قَرُبَ أن يُؤذَن لي بالخروج، فأخرج وأسير في الأرض، فلا أترك قرية إلّا سِرْت فيها في أربعين ليلة، وهذا أحد أوجه تسميته بالمسيح؛ لكون سِياحته مرورًا كالمسح، إلّا مكَّة والمدينة، فهما ممنوعتان عليّ دخولهما، كلَّما أردت أن أدخلهما يستقبلني ملكٌ يمسك بيده سيفًا مجردًا مِن الغِمْد، يمنعني عن كلّ واحدةٍ منهما، وإنّ على كلِّ طريقٍ أو بابٍ منهما ملائكة يحرُسونها مِن الآفات والفتن والبَلِيّات. قالت فاطمة رضي الله عنها: لَمّا ذكَر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ضَرَب بِعَصاه على المنبر، وقال: هذه طَيْبَة. وكرَّرها ثلاثًا للتَّأكيد، أي: إنّ هذه هي المدينة المحروسة، فقال: ألا، أي: انتَبِهوا، هل كنت حدَّثتكم مِثْل هذا الحديث؟ فقال الحاضرون: نعم، قد حدَّثْتَنا بذلك، فقال: إنّه أعجبني أن وافَق حديثه تمام الحديث الذي حدَّثتكم، إنّ الدَّجال في بحر الشام، أو بحر اليمن، وهذا ظنٌ منه عليه الصلاة والسلام، ثمَّ تيَقَّن له مِن جهة الوحي، أو غلب على ظنِّه فقال: لا، بل هو مِن قِبَل المشرق، قالت فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: فحفظت هذا الحديث بطوله مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: فلم أسمعه مِن غيره، وإنما قالت هذا؛ لأنّ الشَّعبي شَرَط عليها أن تحدِّثه بما سمعت مِن لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا حدَّثته أكَّدت له أنَّ هذا مما سمعته منه صلى الله عليه وسلم مباشرة، دون أيّ واسطة.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟، قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيُّنَا ذَلِكَ الوَاحِدُ؟ قَالَ: "أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا. ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ" فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: "أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ" فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: "أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ" فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: "مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ".
متفق عليهينادي الله تعالى آدم عليه السلام يوم القيامة، فيجيب آدم عليه السلام متأدبًا معه وناسبًا الخير إليه ومعنى والخير في يديك أي: تملكه أنت لا يملكه غيرك، وهذا كقوله تعالى: {بِيَدِكَ الخَيرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ}، أي: بيدك الخير والشرّ، ولكن سكت عن نسبة الشرّ إليه تعالى؛ مراعاة لأدب الخطاب مع رب العالمين سبحانه وتعالى، ولم ينسب الله لنفسه الشر؛ تعليمًا لنا مراعاة الأدب، فيقول الله تعالى له: مَيِّزْ أهل النار من غيرهم، وإنّما خصّ آدم بذلك القول؛ لأنه أب للجميع، ولأنّ الله تعالى قد جمع له نسم بنيه في السماء بين يديه، فقال آدم عليه السلام: وما مقدار مَن أبعثه إلى النار؟ فقال عز وجل: من كل ألف نفس تُخرج تسعمائة وتسعة وتسعين نفسًا إلى النار؛ لقلة الموحدين، قال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين} [يوسف: 103]، ففي ذلك الموقف يشيب الصغير، {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج: 2] وقيل: حاصله أن كلّ أحد يُبعث على ما مات عليه، فتبعث الحامل حاملًا، فإذا رأت هذا الهول تضع حملها، وكذلك الطفل، يُبعث طفلًا، فيَشيب بسببه، ولَمَّا سمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن ألفًا إلا واحدًا للنار، وواحدًا للجنة، اشتد خوفهم لذلك، واستقلوا عدد أهل الجنة منهم، واستبعد كل واحد منهم أن يكون هو ذلك الواحد، فسكّن النبي صلى الله عليه وسلم خوفهم، وطيَّب قلوبهم، فقال: أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفًا ومنكم رجل؛ ويعني بالألف هنا: التسعمائة والتسعة والتسعين المتقدمة الذكر، ويأجوج ومأجوج خلق كفار وراء سد ذي القرنين، والمراد بهم في هذا الحديث: هم ومن كان على الكفر مثلهم، كما أن المراد بقوله: (منكم) أصحابه ومن كان على إيمانهم؛ لأن مقصود هذا الحديث: الإخبار بقلة أهل الجنة من هذه الأمة بالنسبة إلى كثرة أهل النار من غيرها من الأمم، ثم أخبر صلى الله عليه وسلم عن رغبته في أن تكون أمته ربع أهل الجنة فكبّر الصحابة، ثم قال: أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فكبّر الصحابة، ثم قال: أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، فكبّر الصحابة رضوان الله عليهم، وهذا الرجاء قد حُقِّق له بقوله: {وَلَسَوفَ يُعطِيكَ رَبُّكَ فَتَرضَى} [الضحى: 5]، وبقوله: (إنّا سنُرضيك في أمّتك)، لكن علّق هذه البُشرى على الطمع؛ لكونه لم يقع، مع علمه بعدم تخلف وعد الله تعالى. ثم مثّل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأمة في العدد القليل كمثل شعرةٍ واحدةٍ صغيرة سوداء في جلد ثور أبيض، أو كشعرة صغيرة بيضاء في جلد ثور أسود.
عَن أَبي الْعَلَاءِ بْنُ الشِّخِّيرِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَحَدُ بَنِي سُلَيْمٍ، وَلَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَدْ رَأَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ اللهَ يَبْتَلِي عَبْدَهُ بِمَا أَعْطَاهُ، فَمَنْ رَضِيَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَهُ، بَارَكَ اللهُ لَهُ فِيهِ، وَوَسَّعَهُ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ لَمْ يُبَارِكْ لَهُ".
رواه أحمدذكر أبو العلاء بن الشِّخِّير أنّ أحد بني سليم - ولا يحسَبه إلّا قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم؛ تنبيهًا على كونه أحد الصَّحابة - قال له: إنّ اللهَ تعالى يبتلي عبدَه بما أعطاه، أي: يبتَليه ويمتحِنه بما قسَمَه له وأعطاه مِن الأرزاق والنِّعم، ذلك أنّ الابتلاء ليس في التَّضييق والفقر فقط؛ بل حتَّى في سعة الرزق، كما قال تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن} والابتلاء هنا يكون باختِباره، هل يشكر ربَّه على هذه النِّعمة ويستعملها في ما يرضى الله تعالى أم لا، فمَن رضِي بما قسَم الله له، أي: لم يسخَط ولم يعترض على قسمة الله له، بارك الله له فيه، ووسَّعه له، ومَن لم يرض بقسمة الله له وعطائه فإنّ الله تعالى ينزع البركة منه.